القصة القصیرة و نجیب محفوظ

  القصص تعدّ في عصرنا الحاضر من أهم أنواع الأدب و أدباء العالم ینتجون فیه أکثر من إنتاجهم في فروع الأدب الأخری، لأن القصص یقرؤها المتعلم و غیر المتعلم و الجاد و الکسول و هي تثیر مشاعر الناس المختلفة أکثر مما یثیرها الشعر و غیره من أنواع الأدب و لذلک اتخذت القصص وسیلة من أکبر الوسائل لنشر النظریات الاقتصادیة و الاجتماعیة و الدینیة. القصة هي مادة مشترکة في الأنواع القصصیة کالقصة القصیرة، الروایة، المسرحیة و...مثلاً نقول: قصة هذه الروایة، قصة هذه المسرحیة، قصة هذه...

القصة القصیرة فرع من فروع الأدب القصصي النثري و هي مبنیة علی قصة واحدة التي لها تأثیر واحد و هي تفصیلة قصیرة من حیاة الإنسان و القصة القصیرة تعرض مجالاً واضحاًً و خاصاً من الزمن. إن الشعر هو الجنس الأدبي الأول الذي یتصدر الیوم الأدب العالمي ولکن القصة القصیرة و إن کانت تحتل المرتبة الثالثة بعد الشعر و الروایة و لکن تبقی الجنس الأدبي الأکثر تنظیماً لنفسها و لزمنها الإبداعي و النقدي. هذا الأثر الأدبي احتل مکانا ًمرموقاً و اکتسب مقاماً عالیا في أکثر بلدان العالم و علی مرّ الزمن، شاعت الأنواع المختلفة من القصص القصیرة وهذا الفن أصبح متنوعاً و متکاملا ًشیئا ً فشیئاً. «کما یبدو من مصطلح القصة القصیرة، إنها قصة أولاً و قصیرة ثانیاً. فهي قصة لأنها تشمل جمیع خصائص القصة من الحبکة و السرد و الحوار و الزمان و المکان و ...و هي قصة قصیرة، لأنها تتمیز بهذه الخصیصة عن الفنون القصصیة الأخری. یشمل هذا القصر جمیع جوانب القصة، فهو یحدد القصة في استخدام عدد الشخصیات و الحدیث و الزمن و المکان و... حتی المضمون و العنوان و عددالکلمات و الحجم».(مجلة فصول، ج 2، العدد الرابع، ص 320) .أما مصطلح القصة القصیرة، فهو نوع من النثر الفني القصصي أو الحکائي الذي یقرأ بشکل مناسب في جلسة واحدة و من حیث الطول فإن «هذا النوع الأدبي یقع فیما بین القصة القصیرة جداً التي لایقلّ کلماتها من 200 کلمة و بین النوفلیتة أو القصة القصیرة الطویلة التي یصل عدد کلماتها إلی 15 ألف کلمة».(د. القسط، عبد القادر، ص 115)

ربما کانت القصة القصیرة هي أهم اکتشاف أدبي في العصر الحدیث؛ لأنها تلائم روح هذا العصر، حیث أنها الوسیلة الطبیعیة للتعبیر عن الواقعیة التي لا تهتم بشیء أکثر من اهتمامها باستکشاف الحقائق من الأمور الصغیرة العادیة و المألوفة. و القصة القصیرة تروي خبراً و لیس کل خبر قصة قصیرة ما لم تتوافر فیه خصائص معینة.

في القصة، القاص یتکلم و ینصح و ینذر و قاریء القصة هو منفعل، ولکن في القصة القصیرة علی القاریء أن یکون ساعیاً و باحثاً و یرافق القاص، یختلط مع القصة و یشارک في کشف الحقیقة.القصة القصیرة علی خلاف الروایات الطویلة، تقوم بدراسة الحیاة و موقف الحیاة ولکن في الروایة تظهر الأحلام السیاسیة للکتاب و کاتب القصة القصیرة یختلف عن کل إنسان في أنه ینظر إلی الأشیاء الواقعیة نظرة خاصة، یتعمقها و یفرز علیها من أفکاره و خیاله. إنه لا یری في الشحاذ، قذره و ملابسه الرثة، بل قد یری فیه المجتمع الظالم و الفساد الاقتصادي و وطنه الفقیر و...

«إن القلق و الصراع و الدم، هي دم القصة القصیرة، ففیها تشتجر الأحداث الدالة الرامزة، فتمنح القصاص مادته و تنشط خیاله و تعتمد القصة القصیرة علی التقاط لحظة أو مشهد أو تجربة واحدة صغیرة أو قصیرة و الترکیز علی ما لها من دلالة دون خوض في التفصیل و الأحداث و هي لهذا أقرب الفنون القصصیة إلی الشعر و القصة القصیرة بطبیعتها تکاد تشبه القصیدة الشعریة، لأن کلا منهما یعتمد إلی حد کبیر علی ذاتیة الأدیب و خبراته الشخصیة و إن ظلت هذه الذاتیة واضحة في القصیدة علی حین تختفي غالباً في القصة القصیرة لما فیها من طابع قصصي».(شاکر عبد الحمید، ص 25)

فإن القصة القصیرة کانت و لاتزال أقرب الفنون الأدبیة إلی روح العصر، لأنها انتقلت القص من التعمیم إلی التخصیص و لا تتناول الحیاة أو الشخصیة الکاملة بکل حوادثها و ظروفها، بــــــل تصور جانباً واحدا ًمن جوانب حیاة الفرد أو زاویة من زوایاه و إنها تستخدم کل الأجناس الأدبیة. و القصة القصیرة هي أکثر الفنون إثارة للاختلاف بین الکتاب ولکن مهما اختلفت الآراء فلا نزاع في أن القصة القصیرة فن الجزئیات و التفرد و البسیط الذي یقودنا من خلالها إلی الکلیات و العمومیات. إن طول القصة القصیرة و زمن قراءتها لا یأخذ من المستمع و القاریء إلا وقتاً قصیراً و القصة القصیرة لها حظ أوفر في النشر و الانتشار علی صفحات الصحف الیومیة و المجلات، لأنها لا تحتل مساحة کبیرة. فلهذا أصبحت القصة القصیرة أحب الأنواع الأدبیة إلی القراء، لأنها تلائم القراء من حیث سرعة قراءتها في الحجم الصغیر و هي قادرة علی نقل الواقع المباشر بشکل سریع و فعال بسبب إمکانیة کتابتها بسرعة و إمکانیة نشرها علی الفور بالصحف لترکیزها. و القصة القصیرة هي ترویح عن النفس و تعبیر عما یختلج في الوجدان، لأنها نسق حر غیر مقید بقیود الشکل کما الشعر و لأنها تهب فرص التفکر و التدبر من خلالها، سواء من طرف الکاتب أو القاریء.

لقد کانت نهضة التعلیم و انتشار الطباعة و نمو الطبقة الوسطی، هي العوامل الأساسیة وراء ظهور القصة الحدیثة و أیضاً ظهور فن القصة القصیرة یرتبط بالترجمات التي قدمت الجمهور في هذا الفن و الحیاة السیاسیة و الاجتماعیة و الاقتصادیة و الفکریة هیأت أسباب النجاح لهذا الفن و ساعدت علی تطوره و نموه و دوامه. و إن الصحافة لعبت دوراً کبیراً في ازدیاد قراء القصة القصیرة و توسیع انتشار القصة القصیرة علی مساحة جغرافیة و مستویات اجتماعیة و ثقافیة مختلفة و نظراً لمحدودیة صفحات الجرائد، فرضت علیها مقداراً کمیاً محدداً و حینما رأت أن القاریء لا یقدر المتابعة الیومیة أو الأسبوعیة الدائمة، تحولت إلی القصة القصیرة . لم یعرف التاریخ في الأدب العربي قصةً أقدم من القصة المصریة لأن المجتمع المصري کان أقدم مجتمع عرفه التاریخ، في أوائل القرون الوسطی استمع الناس في مصر و سوریا و فارس إلی القصة، قبل أن تقرأ القصة في أروبا ببضعة قرون. بدأت سلسلة ألف لیلة و لیلة، في القرن العاشر للمیلاد و لم یؤثر نظیر لها في الغرب قبل القرن الحادي عشر. لم یکن للقصة شأن قبیل مطلع القرن العشرین في مصر و یُحتقر کاتب القصة القصیرة و یعتبر متطفلاً علی موائد الأدب و کانت القصة القصیرة شیئاً للتسلیة.

«أول شیء نلحظه في نشوء القصة القصیرة الفنیة في مصر، هو أن هذا النشوء واکب انتفاضة الأمة المصریة و ثورتها العارمة سنة 1919، کتب القلیل منها قبل انفجار الثورة و هو یتمثل في قصص "محمود تیمور"، ثم تبعه بعد الانفجار في العشرینات من هذا القرن، الرواد الآخرون و قد انبثقت القصة من الثورات الوطنیة و الفکریة و الأدبیة و الاجتماعیة».(خضر، عباس، ص 103) «کانت مصر أنشط البلدان العربیة إلی التألیف القصصي الجدید و في قصصها علی العموم ما یعکس، أحوال المجتمع المصري من ناحیتین رئیسیتین: ناحیة الحیاة الریفیة و ما تتسم من بساطة و قناعة و تأخر و بؤس، و ناحیة الحیاة المدنیة و خصوصاً ما یتعلق بظواهرها الزائفة و نقائصها الاجتماعیة و الاقتصادیة. و ممن عالجوها و کان لهم في کتابتها شأن یذکر: طه حسین، محمد تیمور، محمود طاهر لاشین، مصطفی منفلوطي،  توفیق الحکیم، محمود تیمور و نجیب محفوظ و ...».(المقدسي، أنیس، ص 499)

  نجیب محفوظ؛ مترجم، قاص و روائي

اسمه الکامل هونجیب محفوظ عبدالعزیز ابراهیم أحمد باشا واسمه المفرد، مرکب من اسمین تقدیراً–من والده– للطبیب العالمي الراحل نجیب محفوظ الذي أشرف علی ولادته و تعود أسرته إلی مدینة رشید علی ساحل البحر الأبیض المتوسط. ولد نجیب محفوظ في حي الجمالیة و هو أحد أحیاء منطقة الحسین بمدینة القاهرة المصریة في 11 کانون الأول / دیسمبر 1911 و أمضی طفولته في حي الجمالیة. «بدأ نجیب محفوظ حیاته الأدبیة في سن العشرین تماماً سنة 1931 بکتابة المقالات الاجتماعیة و الفلسفیة و استمرّ علی هذا إلی نهایة الأربعینات و بدأها بمقال " تطور الظاهرات الاجتماعیة " ثم "ما معنی الفلسفة؟" و"فلسفة برجسون" و...(الشطي، السلمان، ص 20) «و نشرت أولی مقالاته باسم «احتضار المعتقدات و تولد المعتقدات» في المجلة الجدیدة التي یصدرها کاتب مصري «سلامة موسی»(1888-1958م). یقول نجیب محفوظ في هذا المضمار: «لقد بدأت حیاتي بکتابة المقال و کتبت بصفة متواصلة فیما بین عامین( 1928-1936م)، مقالات في الفلسفة و الأدب في "المجلة الجدیدة" و ... ثم اهتدیت إلی وسیلتي المفضلة و هي القصة و الروایة». (مریدن، عزیزة، ص79) ثم اتجه نجیب محفوظ بعد کتابة المقالات نحو التاریخ، فترجم کتاب "مصر القدیمة" في قالب روائي علی نحو مافعل "وولتر سکوت" في تاریخ بلاده و "جرجي زیدان" في تاریخ الإسلام. فجاء نجیب محفوظ إلی عالم الروایة بعد محاولات التي قام بها جرجي زیدان في روایاته التاریخیة و المازني و العقاد و..

فیمکن تقسیم أدب نجیب محفوظ إلی خمس مراحل:

1-المرحلة الأولی: ترجم کتاب مصر القدیمة (1932) وهذه المرحلة، المرحلة التاریخیة أو الرومانسیة الواقعیة و هي تحتوي علی روایات "عبث الأقدار" و "رادوبیس" و "کفاح طیبة" بین (1935-1938م) و کتب مجموعته القصصیة "همس الجنون" عام 1938.

2-المرحلة الثانیة: وهي المرحلة الواقعیة الاجتماعیة و التي تضم "القاهرة الجدیدة" و "خان الخلیلي" و "زقاق المدق" و "بدایة و نهایة" و "السراب" و أیضاً أضخم أعماله و هو "الثلاثیة (قصر الشوق، بین القصرین و السکریة )" بین ( 1939- 1952م)

3-المرحلة الواقعیة الفلسفیة (الرمزیة): و التي تبدأ بروایة "أولاد حارتنا"،و "اللص و الکلاب" و "السمان و الخریف" و "الشحاذ" و"الطریق" و مجموعة قصصیة "بیت سیء السمعة" بین (1952- 1965) .       4-مرحلة مرافقة القضایا الفلسفیة مع القضایا الاجتماعیة: و هي تحتوي علی "ثرثرة فوق النیل" و "میر امار" بین ( 1965-1967).                                                                                              5 -مرحلة الحوارات الاستدلالیة العقلیة: و هي تشمل قصة "خمارة القط الأسود" و "تحت المظلة" و مابعدها...( 1968-...)،  فبعد سنة 1967، دخل نجیب محفوظ في مرحلة مؤقتة یمکن أن نطلق علیها اسم "العبثیة" و ضمت "تحت المظلة"و "حکایة بلابدایة و بلا نهایة" و "شهر العسل" و "المرایا" و ..(یاغي، عبدالرحمن، ص111-109 بتصرف)

بدایة علی مدار أکثر من ستین عاماً من الکتابة المتصلة، استطاع نجیب محفوظ أن ینقل کتابة الروایة من مرحلة المقامة أو الحکایة الرومانسیة إلی مرحلة البناء القصصي و الروائي المحکم، سواء في مجال الروایة الاجتماعیة أو مجال القصة و الروایة الرمزیة.«یوم الخمیس بتاریخ 1988م أعلنت الأکادیمیة السویدیة اختیار نجیب محفوظ من بین 15مرشحاً لمنحه جائزة نوبل في الآداب، لأنه بذلک قد اختلط للعالم العربي قدراً أدبیاً مهماً و ربما یرجع الفضل في ذلک إلی الترجمات الانجلیزیة التي قدمت نصوص محفوظ، فأتاحت للعالم الغربي معرفة بهذا الکاتب غزیر الإنتاج،عمیق المعاني».(فوزي، محمود، ص 32)

  نجیب القاص

قد وصل محفوظ إلی نقطة اکتملت فیها رؤیته الحضاریة و الثقافیة التي وجدت تعبیراً لها في کمٍ کثیر من الأعمال الروائیة و القصصیة و عدد کبیر من الأحادیث التي أدلی بها. لاشک أن حضور نجیب محفوظ کروائي عملاق قد ظلم و لو قلیلا ًحضوره ککاتب القصة القصیرة. نجیب القاص یشبه نجیب الروائي في مسألة التجدد المستمر و من یقرأ واحدة من مجموعاته القصصیة القدیمة ثم ّیقارنها بمجموعاته الأخیرة سیجد کیف انتقلت قصة نجیب القصیرة من مرحلة إلی أخری. لکن یبدو أحیاناً أنّ بعض قصص نجیب القصیرة، هي روایات لم تکتمل، لکن لدی قراءة قصص نجیب القصیرة نجد أنه مؤمن بالکتابة بعیداً عن إتباع الأطر النقدیة التي اخترعها النقاد و لهذا لابأس لو سمّینا بعض قصصه القصیرة بروایات قصیرة .«یشیر"غالي شکري" إلی أن اهتمام نجیب محفوظ بالقصة اهتمام هامشي، بالرغم من أنه بدأ حیاته الأدبیة قاصاً في مجموعة همس الجنون؛ فیردّ محفوظ :«من الآن فصاعداً ستجدني أکتب القصة القصیرة جداً». إن القصص التي کتبها نجیب محفوظ بین سنة (1932- 1946)، تمثل قیمة فنیة هابطة بالنسبة لتاریخ نجیب محفوظ الفني من ناحیة و لمستوی القصة القصیرة في مصر عموماً من ناحیة أخری، بحیث یصبح من الظلم مقارنتها بإنتاج "طاهر لاشین" قبل هذه الفترة أو مقارنتها بإنتاج "محمود تیمور" أو "یحیی حقيگ في أثناء هذه الفترة أو بعدها ». (الدکتور بدر،عبدالمحسن طه، ص74)

إن کتابة القصة القصیرة قد أعطت لمحفوظ إعادة النظر مجدداًً في اهتماماته الفلسفیة و الفکریة مجدداًً. حینما نفکر فسنجد أن نجیب محفوظ کتب ما یزید عن خمس عشرة مجموعة قصصیة و هو عدد لیس قلیلا ًمن الناحیة الکمیة، بل یشکل مکتبة کاملة في القصة القصیرة و بعض أعلام القصة القصیرة من غیر الروائیین لم یستطیعوا أن یکتبوا نصف هذا الکم أو أقل من ذلک. و بالرغم من انقطاع نجیب محفوظ عن القصة القصیرة قرابة ربع قرن، لکنه استمر في کتابة القصة القصیرة إلی جانب تطوره الروائي و قد منحه الله عمراً ممتداً فلجأ منذ عقدین للقصة القصیرة و أحیاناًً القصة القصیرة جداً. ولکن نجیب محفوظ ربما تناست أو أغفلت عطاءاته و إضافاته في مجال القصة القصیرة، ولکن هذه العوامل لاتقلّ شأنها و قیمتها بحالٍ من الأحوال علی أن ما کتب فیها و حولها لایعد علی أیة حال بالشیء الیسیر.

ولکن لم تحفل القصة القصیرة لدی نجیب محفوظ بالکثیر من الاهتمام و التصنیف الذین حظیت بهما الروایة علی الرغم من أنها لا تقلّ دوراً و لا شأناً و لابراعة في الإبداع عن الروایة. قد أصدر نجیب محفوظ مجموعة کبیرة من القصص القصیرة و لعل هذا کله یدلنا علی مدی أهمیة القصة القصیرة في أدب نجیب محفوظ التي لم تهتم حتی الآن اهتماماً ملائما ًبالقیاس إلی الاهتمام بروایاته. و إنه کتب عدداً کبیراً من القصص القصیرة و لم ینشر إلا بعضها؛ منها ما منع لأسباب أخلاقیة و منها ما منع لأسباب فنیة. تقول الناقدة و الصحفیة "فریدة النقاش":« لقد بلور نجیب محفوظ قدرة علی بناء القصة القصیرة لا لیشحنها بتوترات اللحظة وحدها و إنما بالصراع الکوني ناسجاً رمزیته ببراعة. و لذلک تحتاج قصصه القصیرة لدراسات عمیقة و مستقلة و ستبقی الأجیال الجدیدة تتعلم منها حتی و هي تسعی إلی تجاوزها رغم أن کبار النقاد في مصر و الوطن العربي تناولوا المشروع الضخم هذا من کل جوانبه».(آراء النقاد حول محفوظ، في الموقع : http://www.Arabic story.net ) قدّم نجیب محفوظ في قصصه القصیرة أشکالاً من قصص عدیدة متنوعة، تکاد تشمل کلّ مدارس قصصیة عالمیة و عربیة و أضفی علی هذه الأشکال من لمساته الخاصة ما یزیدها غنیً و تمیزاً، فإذا یمتلک القص أسساً موضوعیة و تمثلت لدی النقاد بالسرد و الحبکة و الزمن و الحوار ولکن أیاً من هؤلاء النقاد لم یستطع أن یقف عند تعریف محدد ثابت لفن القصة القصیرة و أهم ما تناولوه في هذا المجال مجموعة ملامح تنسب القصة القصیرة إلی هذا المبدع أو ذاک، کأن یقال: هذه قصة تشیخوفیة و تلک قصة موباسانیة و ثالثة قصة غوغولیة أو ... ولکن نجیب محفوظ استطاع أن یستوعب المدارس جمیعاً بحذقٍ لامثیل له، ثمّ یبدأ بعزفه الخاص المنفرد أیضاً بصمت و لیس علی هامش العمل الروائي کما ثقل علی أذهان بعض النقاد. فأضفی علی ذلک من أستاذیته طابعاً لاینسی، یحسّ به القاریء من خلال العرض و في طبیعة الشخصیات و في الفضاء المکاني و الفضاءات الأخری، في القفلة أو في الحوار الممتلیء بالحکمة و جواهر المعنی، حتی نستطیع إضافة نسبة أخری في التعریفات بالقصة القصیرة؛ فنقول: قصة قصیرة محفوظیة.

إن نجیب محفوظ لیس مجرد حکـــّاء عظیم، بل بناء عظیم و ظهر في مصطلحات النقاد المصریین تشبیهات خاصة مثل«الحکي المحفوظي» و«النفس المحفوظي» و«البناء المحفوظي» نسبة لنجیب محفوظ و تمثلا لقدراته الخاصة في العمارة الروائیة و القصصیة و جمالیتها و القدرة الخاصة علی الحکي و القص.

لیس من أدیب مصري له السمعة التي حازها نجیب محفوظ في قدرته علی الحکي من دون أن یتحول حکیه هذا إلی سردیة، تتراخی فیها الأحداث بعضها إلی جوار بعض و لهذه القدرة اتّهمه بعض خصومه– و منهم الراحل یوسف ادریس مثلا ً– بأنه یحول القصص القصیرة التي یمتلیء بها درج مکتبه إلی روایات بعد أن یحشوها بالتفاصیل و ردّ محفوظ علی هذه التهمة، فقال:«علی العکس؛ إنني لتوافر هذه الحکایات عندي و کثرة تداعیها علی مخیلتي کنت أحول مشروعات روایاتي إلی قصص قصیرة و لاأبالي».(جریدة المستقبل، الحکاء المصري، العدد 2375، أیلول 2006، ص11) إن نجیب محفوظ في أیام التجارب کان یعرض روایات لاتنشر و أحس أن القصة القصیرة مزدهرة و لها مجال للنشر في الصحافة و في الحقیقة أن کل مجموعة همس الجنون کانت في الأصل روایات.  فکان یکتب من روایاته المخزونة قصصاً قصیرة و یرسلها للمجلات و نحن نجد فیها أثراً لکاتب مقالة؛ لأنه کان یکتب مقالات أولا ً.و نستطیع أن نعتبرها قصة ما بین المقالة و القصة.«لعل أخطر ما یمیز مجموعة قصص نجیب محفوظ یتمثل في سیرة الطابع التجریبي علی هذه القصص و یکشف هذا الطابع التجریبي عن نفسه في ظواهر ثلاث:

الظاهرة الأولی هي أنها تکاد في غالبیتها تمثل روایات طویلة اختصرها المؤلف و اختزلها لتأخذ شکل القصة القصیرة، أما الظاهرة الثانیة فتتمثل في أن هذه القصص تعتمد في بنائها علی المفارقة العجیبة و المدهشة و أما الظاهرة الثالثة فتتمثل في سیطرة المؤلف کاملة علی هذه القصص و حضوره حضوراً کاملاً یبدأ من عنوان القصة حتی خاتمتها. و قد أدی الخلط في مفهوم المؤلف بین القصة القصیرة و الروایة إلی تحول القصة القصیرة من لحظة إضاءة مرکزة ترکیزاً بالغاً لموقف أو شخصیة إلی سرد کامل لتاریخ حیاة الشخصیة و نجیب محفوظ لایکتفي أحیانا ًبسرد تاریخ الشخصیة وحدها ولکنه یضیف إلی ذلک تاریخ أسرتها أیضا».(بدر، عبدالمحسن طه، ص87)ولکن نستطیع القول: عالم محفوظ القصصي کما یبدو في قصصه القصیرة لیس مغایراً من ناحیة المحتوی عن تجربته الروائية. یری في قصصه القصیرة حضور الهموم الواقعیة باهتماماتها السیاسیة و الاجتماعیة و أبعادها الطبقیة و الاهتمام بتحولات المجتمع المصري، خاصة القاهرة و أحیائها و شوارعها کحي الجمالیة الذي ولد فیه محفوظ .

سئل من نجیب محفوظ حول سبب لجوئه إلی القصة القصیرة في مستهل حیاته الأدبیة و عن الاضطراب الفکري في قصص مجموعته الأولی، فهو أجاب بأنه کان حائراً یجتاز أزمة فکریة و أزمة تعبیر. فلم یکن قد استقر عند فکره الثابت الذي قال لي أنه أخذ یلازمه من کفاح طیبة حتی میرامار و ما بعدها. و في حوارٍ لي قررّ أنه لن یکتب الروایة بعد الآن و إنه سیکتفي بکتابة القصة القصیرة لأنها أنسب للحظتنا الحاضرة».(عطیة، أحمد محمد، ص139)

  أسلوب کتابة نجیب

ینظر نجیب محفوظ إلی الأسلوب کأنه وعاء یصب فیه أفکار شخصیاته و مشاعرها و هو یستخدم الأسلوب السردي بالمونولوج الداخلي جنباً إلی استخدام أسلوب الحوار استخداماً رئیساً. و من أبرز جوانب روعة أسلوبه استخدام عنصر الطبیعة و خلق لوحات فنیة جمیلة من الطبیعة نجد فیها الحرکة و الحیویة و کلها کانت لإیضاح أزمة البطل النفسیة. اتسم أدب نجیب محفوظ بأسلوب البساطة التي تعکس هموم الناس العادیین و الالتزام بقضایا الإنسانیة. فالفن و الأدب في نظره یعایش السعداء و لایتخلی عن التعساء. إنه صوّر حیاة الأسرة المصریة بوجه خاص و المجتمع المصري بوجه عام. إن واحداًً من أسالیب نجیب محفوظ في کتابة القصة، هو أنه یمزج رموزه مع الخمر و الجنس و النساء و قصصه التي تمثل تاریخ مصر ملیئة بصور نساء غارقات في الخیانة و أیضاً مجتمعات تنتشر منها رائحة حشیش.

قال نجیب محفوظ: «إن کتاباتي تجمع بین التخطیط و التلقائیة: التخطیط أي أخطط للقصة قبل شروعها و التلقائیة أي حینما أکتب لا أفکر إلی المضمون و الموضوع و في هذه الحالة فإن الکلمة الأولی هي التي ستؤدي إلی الثانیة. فإذا بدأت مثلاً بکلمة «خرج فلان من بیته ...» ، فالله وحده أعلم بما یأتي بعدها، إذن أترک لنفسي تلقائیة کاملة. النوع الذي یغلب علیه هذا الطابع في "تحت المظلة و حکایة بلابدایة و لانهایة و شهرالعسل و الجریمة ". و هناک قصص تجمع بین التخطیط و التلقائیة، کأن تکون البدایة فیها فکرة عن شخصیة أو حدث أو عنهما معاً و لاأدري ما سوف أفعل و لذلک کانت التجارب التلقائیة کلها قصصاً قصیرة أو مسرحیات من فصل واحد».(مجلة فصول، المجلد الثاني، العدد الرابع، سبتمبر1982م، ص 321) بدأ محفوظ کتابة القصص القصیرة متأثراً بقصص محمود تیمور و المازني و مترجمات محمد السباعي القصصیة. و عندما عاد إلی کتابة القصة القصیرة لم یکن متأثراً بأحد من کتاب القصة القصیرة ولکنه کان یکتب القصة القصیرة بروح الروایة، فکل قراءاته في الروایات أقل في القصة القصیرة، لذا فإن قصصه الأخیرة من نوع القصص القصیرة المطولة (50 صفحة فولسکاب أو 80 صفحة فولسکاب)».(عطیة، أحمد محمد، ص139) «قصص نجیب محفوظ القصیرة کانت للتعبیر عما یریده تصویراً له أو إبداعاً للرأي فیه و لم یحدث أبداً أن جاءت الروایة التالیة صدی و امتداداًً لمغامراته في أسلوب المعالجة لأقاصیصه القصیرة التي کانت سابقة علیها. إن أکثر أقاصیص نجیب محفوظ القصیرة هي دائماً تجسید لفکرة یرید التعبیر عنها بالقص، مهما حاول ألغازها وتعمیتها؛ ففعله کفعل المؤلف المسرحي المحترف». (الأسود، فاضل، ص 376)

« وهناک فرق بین أن تنبثق الفکرة أو الأفکار من صلب التجربة القصصیة، کما فعل نجیب محفوظ في روایاته و بعض أقاصیصه و بین أن تسخر التجربة القصصیة و تولف لتعبیرعن فکرة مسبقة. فالأعمال القصصیة التي تستمد تجاربها القصصیة من الواقع مباشرة ثم تنبثق منها ،عن غیر قصد، محتویاتها الفکریة هي أصدق تعبیر عن روح الفن و الفنان ، لأنها أعمال تلقائیة و غیر مباشرة و فیها درجات کبیرة من الصدق المقنع ».(الأسود، فاضل، ص 376)

إن غالبیة القصص القصیرة التي کتبها نجیب محفوظ في مجلة الرسالة و الروایة و ضمّ بعضها في کتاب "همس الجنون"، لا ترتفع عن مستوی بقیة أدباء العصر، بل ینخفض الکثیر منها عن مستوی أعمال البدوي و حقي و لاشین و... و هو عرض في هذه القصص علی الموضوعات الضیقة و الحلول الساذجة في مشکلات الخیانة الزوجیة و الفقر و... «المرحلة الجدیدة لهذا الفنان في میدان القصة القصیرة تقول: إن المجتمع لم یتغیر کثیراً عما کان علیه منذ ربع قرن و أن ثمة هوة عمیقة بین الواجهة النظریة لهذا المجتمع و المستوی التطبیقي، فما تزال هناک قطاعات إنسانیة عریضة تزرح تحت أعباء الماضي بکافة مواضعاته السیئة. و لهذا السبب تشابهت موضوعات بعض القصص في المرحلتین (القدیم و الجدید). ماتزال المأساة الاجتماعیة رابضة في هذا الطور المعاصر من الحضارة التي یتسم بالتخلف».(شکري، غالي، ص315)

ولکن هذه المرحلة الجدیدة من قصصه القصیرة تقول أشیاء أخری. فلم یعد الفقر و الخیانة و ما إلیها هي المظاهر الوحیدة لمحنة المجتمع و قد ألغت البصیرة الجدیدة الأنماط و النماذج البشریة التي تخلص الملایین و لاتوجز نفسها. و إنما کان نجیب محفوظ یعي أن التطور الحضاري المذهل الذي طرأ علی العالم المعاصر، لاینبغي علی الأدیب العربي أن یتجاهله و لذلک کان ترکیزه الشدید في مجال الروایة و عودته إلی کتابة القصة القصیرة، لأن القصة القصیرة في إمکانها تجسید فترات الانتقال و الفترات الثوریة التي تحتاج إلی اللقطات السریعة أکثر من الأعمال الطویلة. (شکري، غالي، صص 315-314) نجیب محفوظ في سؤال حول اتجاهه إلی کتابة المسرحیات القصیرة قال:« الواقع أن المسألة تطورت، إن قصصي بدأ علیه الحوار و من ثمّ بدأ التحول للمسرحیة و ربما لأن هذه الفترة هي فترة متناقضات و أنسب شیء لها الحوار. و أعده تحولاً إلی المسرح مع الاحتفاظ بالکتابة القصصیة و قصصي الجدیدة کلها في شکل حوار مسرحي و حجمها أکبر من القصة القصیرة مثل قصتي " نافذة في الدور الخامس و ثلاثین" من مجموعة "شهر العسل" و هي في 29 صفحة فولسکاب».(عطیة، أحمد محمد، ص 20)«و أسلوب نجیب محفوظ تنسق فیه العبارات راسیة، مهیبة و الشخصیة الحیة هي مفتاح فن القصة عند نجیب محفوظ. هذه الشخصیة الحیة لایمکن أن نحس بها دمیة یحرکها صاحب الأرجواز أو مدیر مسرح العرائس، إنها لیست مخلوقاً ذهنیاً خالیاً من حرارة العاطفة و حرارة الدماء و الأعصاب، لأنه حي یحمل کلّ خصائص الحیاة. هذا هو نجیب محفوظ في قصصه: مصور الحیاة الصادق و باعثها المبدع الأمین».(نظمي لوقا، ص113) « نجیب محفوظ في قصصه لایری ثمة تناقضاً بین مأساة مجتمعه و مأساة العالم، فهو لایتخلف عن قضایا العصر التي بلغت ذروة الانشغال بها عند أدباء أوروبا و أمریکا، کما لایتجاهل خصائص المرحلة الحضاریة في هذا الجزء من العالم؛ هذا هو الفرق بینه و بین الأدباء العرب الذین یتأثرون بالأدب الغربي في مؤلفاتهم تأثراً میکانیکیاً، فینقلون الأشکال الفنیة نقلاً ساذجاً یخلو من المعاناة و الصدق و همزة الوصل بین العمل الفني و الحضارة التي أنجبت خالقة ...».)شکري، غالي، ص330)

أول ما نلتفت إلی قصص نجیب محفوظ القصیرة هو الحجم المقنن، إذ تنحصر أعداد کلماتها مابین50 و100 کلمة و قد تجاوز محفوظ في ذلک شکل القصة الطویلة کما في مجموعاته الأولی، فقدم عبر هذا الشکل المکثف تجارب جدیدة تحمل مخزوناً فکریاً و فلسفیاً یصب فیه. وهو عندما بدأ الکتابة کانت فکرته أن في فن القصة الصحیحة ما هو صواب و خطأ، مثل النحو تماماً و أن هذا الفن أوروبي و إنه إذا کتب القصة الصحیحة، فقد بلغ الغایة المنشودة. هناک کیفیات متعددة لکتابة القصة: منها خروج المؤلف من القصة أو دخوله فیها أو وجهة النظر أو ما إلی ذلک. إن نجیب محفوظ کان مبتدئاً و لهذا السبب فقد کان التزم القواعد السائدة لهذا الفن، أما بعد ذلک فلم یهتمّ بأي شیء من هذا إلا بالتعبیر عن ذاته بحریة تامة، سواء یتفق هذا التعبیر أو یختلف، فهي لاتهمّه إطلاقاً و لم تعد هذه القواعد في نظره إلا لأسلوب الذي یکتب به الکاتب؛ أي، لیس هناک قواعد و یصح جداً أن یکون له أسلوبه الذي یکتب به.                                           فإن نجیب محفوظ ینسی الأصل لقصصه و یعود لیخلقها خلقاً جدیداً و لذلک لایستطیع أن یفسّر الاختیارات الفنیة التي یستخدمها. وعلی الرغم عن التخطیط و الإعداد، فلقد بدأ بعض القصص بصورة ما و أنهاها بغیر الصورة التي أرادها. فکان نجیب محفوظ بعیداً عن الغموض والتعقید، کما کان بعیداً عن المباشرة أو التقریر؛ فهو یبني شخوصه من أعماق وجودنا و ینسج أحداثه من جزئیات حیاتنا .

المراحل القصصیة

«أما أول قصة قصیرة نشرت له کانت عام 1932 في مجلة السیاسة بعنوان(فترة الشباب) و عن هذه الفترة یقول: «کانت المقالة أسبق في الظهور من الأقصوصة و الروایة ، فما أکثر الأقاصیص التي رفض نشرها و کانت أیام عذاب و محنة تتکرر مع کلّ أقصوصة أو مقال وإن المقال کان أسرع في القبول من الأقصوصة و لذلک فقد انصرفت بعض الوقت إلی کتابة المقالات» (جریدة الطلیعة،13 سبتمبر 2006، العدد 1742)                بدأ  نجیب محفوظ  کتابة القصة القصیرة عام 1936 بشکل رسمي ولکنه کان قد نشر أول قصة قصیرة له بمجلة الجدیدة الأسبوعیة الصادرة یوم 3/8/1934 بعنوان « ثمن رغیف الخبز » و استمر في الإنتاج ثم انتفی منها و نشرها باسم «همس الجنون»  سنة 1938م. ثم توالت مجموعاته القصصیة حتی وصلت إلی خمس عشرة مجموعة مابین القصص الاجتماعیة متمثلاً في مجموعات «دنیا الله 1963» و « بیت سيء السمعة 1965» و«الحب فوق هضبة الهرم 1969» و« صباح الورد 1987» و قصص اللامعقول متمثلا ًفي مجموعات «خمارة القط الأسود 1969» و « حکایة بلابدایة ولانهایة 1971» و« الجریمة 1973» و قصص الرمزیة مثل مجموعات« الشیطان یعظ 1979» و « التنظیم السري 1984» و « الفجر الکاذب 1989» و «القرار الأخیر 1997» هي آخر مجموعات القصص التي صدرت لمحفوظ و هي من نوع القصص الاجتماعي الذي تتجلی فیها أبرز الطرائق السردیة من خلال عناصر متعددة منها. (المهنا ، عبدالله بن محمد ، صص22-21). کان قرار نجیب محفوظ في عام 1938بأن یکفّ عن کتابة القصة القصیرة و المقال و أن یتفرغ للروایة و قرر أن ینتج روایة في کل ّعام و في العام الذي لاینتج فیه روایة،یکتب مجموعة قصصیة أو مجموعتین.«نجیب محفوظ توقف عن کتابة القصة القصیرة منذ عام 1939 إلی عام 1960، الذي حدثت فیه کل هذه التطورات. و قد أشفق علیه الکثیرون من تجربة العودة إلی تألیف الأقصوصة و قیل إن أقاصیصه القدیمة لم تبشر قط بمولد فنان له شأن في هذا المضمار و ظلت هذه النظرة إلی إنتاج نجیب في القصة القصیرة سائدة إلی تاریخ صدور مجموعة «دنیا الله» التي ضمت هذا الإنتاج نفسه»(شکري، غالي، ص 308)«هذه القصص تکشف لنا عن بدایات اهتمام نجیب محفوظ بالواقع الاجتماعي المصري و بالفئات المهضومة و البائسة و المعذبة. التعبیرعن الواقع الاجتماعي تبدو سذاجته في قصص کقصة «الزیف» و هي أیضاً قصة خالیة من أي مضمون فکري أو اجتماعي أو نفسي و تقوم علی المصادفات و المفاجآت الساذجة ولکنها مع ذلک ربما تعري تفاهة و انحدار البرجوازیة المصریة الکبیرة. و نجیب محفوظ یقرر لنا صراحة من خلال نماذجه المعذبة الأولی في «همس الجنون»، أن عالمنا الإنساني عالم شدید القسوة ...».(عطیة، أحمد محمد، ص 146)

«فبعد سیاحته الاجتماعیة التي استغرقت عشر روایات، عاد نجیب محفوظ إلی کتابة القصة القصیرة. فبدأ التطلع إلی الوجود من خلال الواقع الإنساني، فکانت روایة «السمان و الخریف» (1962) ختام مرحلة الواقعیة الاجتماعیة و جاءت مجموعته القصصیة الثانیة «دنیاالله» (1963) بعد عامین من التأمیم و الاتجاه إلی الاشتراکیة–کبدایة للمرحلة الفلسفیة– الجدیدة في أدب نجیب محفوظ؛ مرحلة التطلع إلی الواقع المأساوي للإنسان بالنسبة إلی الوجود؛ مرحلة یختلط فیها الواقع بالرمز».(الدین، نزار، أخبار أدبیة، في الموقع: http://www.freearabi.com)

 مضامین قصصه                                         کثیر من شخصیات محفوظ تبدأ قصتها بالعودة إلی الحي أو الحارة بعد غیاب أعوام طویلة و تکون مهمتها أو مشروعها الحنین إلی ماضي المکان و استدعاء الذکریات. و أحیاناً تکون العودة بقصد الثأر و تصفیة الحساب مع سلطة الفتوات السابقة، کذلک تتوقف قصص محفوظ عند مشکلات القمع و الحریة. نجیب محفوظ عبر إبداعه المتواصل و وجوده الدائم علی الساحة الأدبیة علی مدار الأجیال أخرج القص من المحلیة إلی العالمیة و وضعه علی خارطة الإسهام الإنساني العالمي و الإبداع العمیق الذي یمیل إلی المتکامل. و رحلة نجیب محفوظ مع الروایة و القصة خلال مسیرته الطویلة جعلته أکثر تفهماً من علاقته الشعوریة بالأنماط و السلوکیات الأدبیة و الفنیة. و لهذا صارت لإبداعات محفوظ قیمة تاریخیة خاصة؛ إنه یسجل في قصصه وجه الحیاة القاهریة بصورة واقعیة و تطور العلاقات الاجتماعیة المصریة صعوداً و هبوطا ً، نجیب محفوظ سجل في قصته کل شیء في مصر؛ من لعب الأطفال في الحارات و الأناشید التي کانوا یرددونا و تفاصیل یوم الطبقة المصریة و تقلبات أمزجتهم و میولهم في الحب و الجنس و الدین و السیاسة و... «في مجموعته الأولی"همس الجنون" کثیراًما یحشو نجیب محفوظ بالمواعظ و الحکم المباشرة کما أن البناء القصصي یتسع لأحداث کثیرة و هو یتناول الحیاة منذ طفولة حتی الکبر في ثرثرة زائدة. کما أن الجنس للجنس یغلب علی قصص المجموعة و الحدیث عن الخمر و المخمورین، الجوع و الفقر، الخیانة الزوجیة، الوصولیة و الانتهازیة، الحصول علی وظیفة من خلال عقود الزواج إما بعوانس قبیحات أو عن طریق التعزیز بفتیات الأسر الکبیرة ؛ تلک هي الموضوعات المحببة إلی نجیب محفوظ في قصصه القصیرة المجموعة في کتاب "همس الجنون"» (عطیة، أحمد محمد، ص 143)

کان محفوظ یعتقد أن الشعب الجاهل الأمي الذي لیس لهم الحریة و الکرامة لایمکن أن ینتصر علی شعب متعلم و متثقف الذي یستطیع أن یفتح فمه و یحاسب قوته متی شاء؛ لهذا السبب فإن إشکالیة التخلف و التقدم کانت تشغل معظم قصص نجیب محفوظ و کتاباته و نجیب محفوظ لایقدم القصة لیعطي من خلالها معلومات عن شیء معین، بل یعطي تجربة حیة یعیشها القاریء و حتی في القصص التاریخیة لم یکن یقصد التعریف بالتاریخ، بل بتجربة إنسانیة من خلال التاریخ و الحقیقة أن العمل الفني لیس معرفة بل تجربة حیة یعیشها القاریء.فکانت روایاته و قصصه مرآة للواقع و لصورته المستقبلیة انعشت الخطوات الثقافیة و الفنیة و ساهمت في تغییر الکثیر من ملامح و طروحات المراحل السابقة. یستخدم نجیب محفوظ في معظم روایات و قصصه اللغة الرمزیة معتمداً علی دراسته الفلسفیة و بواسطة هذه الرمزیة یستطیع أن یظهر فکره المارکسي. لقد تمیزت روایات و قصص نجیب محفوظ بسمات المدرسة الرمزیة، فاتبع طریق الإیحاء و اهتم بالصور المتافیزیقیة. اتخذ نجیب محفوظ من المدرسة الرمزیة مذهباًً له في المرحلة الأخیرة من إنتاجه الأدبي و التي أعقبت ثورة یولیو 1952. وهو غاص في السبعینات و الثمانییات من القرن العشرین في رمزیة أقرب إلی الصوفیة في أعماله و صار بین فلسفات مادیة و نظرات و اتجاهات صوفیة لیخرج بعض أبدع قصصه. و في الواقع یلجأ محفوظ إلی الرمز لیخفی الأفکار التي یرید عرضه له الغموض.

  فهرس المصادر:

 1-الأسود، فاضل، الرجل والقمة، بحوث و دراسات، الجزء الأول،الهیئة المصریة العامة لکتاب،ط1، 1989م.    2- بدر، عبدالمحسن طه، نجیب محفوظ، الرؤیة و الأداة، القاهرة، دارالثقافة، ط2،1985م.                      3- جومییة، الأب.ح، ثلاثیة نجیب محفوظ، نقل البحث إلی العربیة، الدکتور نظمي لوقاء، دار مصر للطباعة، ط1،1974م.                                                                                                      4- خضر، عباس،القصة القصیرة في مصرمنذ نشأتها حتی سنة 1930، الدار القومیة، ط1، (1385 هـ.1966م)                                                                                                                5- شاکر، عبدالحمید، سیکولوجیة الإبداع الفني في القصة القصیرة، العملیة الإبداعیة في القصة القصیرة، دار غریب للطباعة و النشر و التوزیع، القاهرة، مصر،ط1،2000م.                                                   6- الشطي، السلمان، الرمز و الرمزیة في أدب نجیب محفوظ،المطبعة العصریة، الکویت، ط1، 1976.         -7شکري، غالي، المنتمی، دراسة في أدب نجیب محفوظ، دار المعارف بمصر، القاهرة، ط1، 1999.

8- عطیة، أحمد محمد، مع نجیب محفوظ، بیروت، دار الجیل، ط2، 1977.

9-  فوزي، محمود، نجیب محفوظ زعیم الحرافیش، دارالجیل، بیروت، الطبعة الأولی، (1409 هـ.1989م).

10-  القسط، عبدالقادر، قضایا و مواقف، الهیئة العامة للتألیف و النشر، ط1، 1971م.

11- مریدن، عزیزة، القصة و الروایة، دارالفکر، دمشق، ط2،(1400هـ.1980م).

12-المقدسي، أنیس، الفنون الأدبیة و أعلامها في النهضة العربیة الحدیثة، دارالعلم للملایین، بیروت، لبنان، ط5،1990م.

13- المهنا، عبدالله بن محمد بن ناصر، دراسة المضمون الروائي في أولاد حارتنا لنجیب محفوظ، دارعالم الکتب، الریاض، ط1،2001م.

14-یاغي،عبدالرحمن،الجهود الروائیة من سلیم البستاني إلی نجیب محفوظ،  دارالعودة، بیروت، ط1، 1972

15- مجلة فصول، الروایة و فن القصة، المجلد الثاني، العدد الثاني، ینایر 1982،ص290.

16- مجلة فصول، حوار مع نجیب محفوظ،  المجلد الثاني، العدد الرابع، سبتمبر 1982،ص320.

17-جریدة الطلیعة، نجیب محفوظ، العدد 1742، سبتمبر 2006.

18- جریدة المستقبل، الحکاء المصري، العدد2375، أیلول2006، ص11.                     19-عبدالحلیم،عید، هوامش علی حیاة عمید الروایة« نجیب محفوظ»، في الموقع: http://www.arabicstory.net

+ نوشته شده توسط هدايت در شنبه سیزدهم آذر 1389 و ساعت 23:21 |


Powered By
BLOGFA.COM